|
محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم
أمّا بعد :
فالله تعالى اختَارَ منَ البقاعِ والبِلادِ خيرَها ومِن النفوسِ
أشرفها، اصطفى منَ البشرِ رسُلاً جعل أقوالهم وأعمَالهم وأخلاقَهم
موازينَ توزَن بها الأقوال والأخلاق والأعمال، ومعرفةُ نبيِّنا محمّد
سيِّدُ ولَد آدم وفخرهم في الدنيا والآخرة محمّدُ بن عبد الله بن عبد المطلب، اصطفَاه الله من بني هاشِم، واصطفى بني هاشِم من قريش، وهم من سلالة نبيِّ الله إبراهيمَ عليه السلام صفوَة الخلق، هوَ خير أهلِ الأرض نسبًا على الإطلاق، قال عليه الصلاة والسلام: ((كانَ خيرهم نسبًا وخيرهم بيتًا)) رواه الترمذي[2][2].
نشَأ يتيمَ الأبوين ،
بُغِّضت إليه عبادةُ الأوثان والخنوع للأصنام، حفِظه ربّه في صغره، وصانَه في شبابه، فما استَلَم صنمًا ولا مسَّ وثنًا. تزوَّج قبلَ البعثة بامرأةٍ نبيلة شريفةٍ لبيبة، هي أعظم النساء شرفًا، وأوفرهنّ عقلاً، خديجةُ رضي الله عنها. بعثَه الله والأرضُ مملوءةٌ بعبادةِ الأوثان وأخبارِ الكهّان وسفكِ الدماء وقطيعةِ الأرحام، فدعا إلى عبادة الله وحدَه صابرًا على ما يلقَاه من تكذيبٍ وإعراض وجفاء.
رفَع الله ذكرَه، وأعلى شأنه، معجزاتُه باهرة، ودلائلُه ظاهرة، منصورٌ
بالرعب، مغفورُ الذنب، أوّل من ينشقّ عنه القبر، وأوّلُ الناس يشفَع
يوم القيامة، وأكثرُ الأنبياءِ تبَعًا، وأوّل من يقرَع بابَ الجنة،
وأوّل من يعبر الصراطَ، كان عبدًا لله شكورًا، يقوم من الليلِ حتى
تتفطّر قدماه، قرّةُ عينِهِ في الصلاة، يقوم لله مخلِصًا خاشعًا، يقول
عبد الله بن الشّخّير رضي الله عنه: أتيتُ رسولَ الله
معظِّمٌ لربّه، رفيع الأدَب مع خالقه، لا يدّعي لنفسِه شيئًا ممّا لا
يملكه إلاّ الله، قال سبحانه:
لم يصب رسول الله صلى الله عليه وسلم بغرور العظمة رغم امتلاكه لقلوب أتباعه امتلاكا لم يكن لأحد قبله ولا بعده حيث كان الآمر المطاع والصاحب المحبوب والعظيم الموقّر، لا يُعصى له أمر ولا يُخالف له توجيه , فرغم هذه المكانة وهذه العظمة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشدّ الناس تواضعا وأحسنهم بشرا يجالس الفقراء ويحب المساكين ويشفق عليهم،يواسيهم بما استطاع من مال وطعام ويواسيهم بحسن الخلق وطيب الكلام، كان يجالسهم،يحادثهم،يلاطفهم ،يمازحهم حتى يُدخل عليهم السرور. وأما الغريب الذي جاء من أرض بعيدة وانقطعت به الطريق ونأت عنه الديار فهو عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم ليس بغريب, بل هو أقرب من القريب
كان يخصِف نعلَه، ويخدم أهلَه ونفسَه، وشرَب من القِربة البالية، وحمل
مع صحابتِه اللَّبِن في بناءِ المسجد، لا يعيبُ على الخدَم ولا
يوبِّخُهم، قال أنس رضي الله عنه: خدمتُ رسولَ الله
يوقِّر الكبارَ ويتواضَع للصغار، إن مرَّ على صبيانٍ سلَّم عليهم[8][8]، يقول أنس رضي الله عنه: ما رأيتُ أحدًا كان أرحمَ بالعيال من رسول الله. رواه مسلم[9][10].
كريمُ النفس، سخيّ اليد، غزير الجود، ينفِق سخاء وكرمًا وتوكلاً، ما
سئِل شيئًا من متاعِ الدنيا مما يملِك فردّ طالبَه، يقول أنس رضي الله
عنه: ما سئِل رسول الله
لا تغضِبه الدّنيا وما كانَ لها، أعرض عن هذه الدار وعمِل لدار القرار، كانَ يقول: ((ما لي وللدنيا؟! ما أنا والدّنيا إلاّ كراكب استظلّ تحتَ شجرةٍ ثم راح وتركها)) رواه الترمذي[11][13].
كان يمرّ به هلالٌ وهلال وما يوقَد في بيوتِه نار، ويبيتُ اللياليَ
المتتابعة طاويًا وأهلُه لا يجِدون عشاءً، يقول عمر بنُ الخطاب رضي
الله عنه: لقد رأيت النبيَّ
وخرَج من بيته من حرارةِ الجوع، وربط على بطنهِ الحجرَ من ألم الجوع،
وكان الصحابة رضي الله عنهم يعرفون الجوعَ فيه من تغيُّر صوته، يقول
أبو طلحة رضي الله عنه: سمعت رسول الله
لقي من الحياة مشاقَّها، ومن الشدائدِ أحلَكها ,آذاه قومُه بالقولِ
والفعل، قال أنس رضي الله عنه: ضربوا رسول الله
توالَت عليه المصائبُ، وتوالَت عليه المحَن، وربُّه يقول له:
مات ستّةٌ من أولاده في حياتِه، فلم تثنِه تلك الكروبُ عن الدّعوة إلى الله، صبَر على كمَد الحياة ولأوائِها، يقول عن نفسه: ((لقد أوذِيتُ في الله وما يؤذَى أحَد، وأخِفتُ في الله وما يخاف أحَد)) رواه أحمد[17][20].
رقيقُ القلب مليءٌ بالرحمة , يزور البقيعَ فيتذكّر الآخرةَ ويبكي، كان
يزور ابنَه إبراهيمَ عند مرضِعَته وهو رضيع، فيأتيه إبراهيمُ عليه أثَر
الغُبار، فيلتزمه النبي
كامِلُ العقلِ سامِي الأخلاق، لم يضرِب أحدًا بيده، تقول عائشة رضي
الله عنها: ما ضَرَب رسول الله
أعَفُّ الناس وأشرفهم، لم تمسّ يدُه أبدا يد امرأة لا تحلّ له،فهو القائل على طهارة قلبه وصفاء نفسه ونقاء سريرته للنساء لما أردن مبايعته باليد : قال عليه الصلاة والسلام :( إني لا أصافح النساء(
كاملُ الوفاءِ مع أهل بيته وصحابتِه رضي الله عنهم، كان يذبَح الشاة ثم
يقطِّعها أعضاءً، ثم يبعَثها إلى صواحِبِ خديجة بعد وفاتها وفاءً لها[21][25]،
وصلّى على قتلَى أحُدٍ بعد ثماني سنين من الغزوةِ كالموَدِّع لهم[22][26]،
يُكرِم صحابتَه ولا يؤثِر لنفسه شيئًا دونهم، يقول عثمان رضي الله عنه:
كان رسول الله
ليّنُ الجانِب دائم البِشر، يقول جرير بن عبد الله رضي الله عنه: ما
رآني رسول الله
يتفقّد أصحابَه، ويؤثِر أهلَ الفضل بأدبه، جميلُ المعاشرة، حسَن الصّحبة، يصِل ذوي رحمه ولا يجفو على أحد، عَفّ اللسان، لم يكن فاحِشًا ولا متفحِّشًا، بل كان أشدَّ حياءً من العَذراء في خِدرها، خِلاله على سجيّته، كان بعيدًا عن الفخرِ والخيلاء والكبرِ والاستعلاء، يقول: ((إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله)) رواه البخاري[27][11]. لا يحِبّ تعظيمَ الألفاظ ولا تشدّقَها، جاء ناسٌ إليه فقالوا: يا رسول الله، يا خيرَنا وابنَ خيرنا، وسيّدَنا وابنَ سيّدِنا، فقال: ((يا أيّها الناس، قولوا بقولِكم، ولا يستهوينّكم الشيطان، أنا محمد عبد الله ورسوله، ما أحِبّ أن ترفعوني فوقَ منزلتي التي أنزلني الله عز وجل)) رواه النسائي[28][31]. جمع من الأخلاق أطيَبَها ومن الآدابِ أزكاها، قال شيخ الإسلام رحمه الله: "لا تحفَظ له كِذبةٌ واحدة، ولا ظلمٌ لأحد، ولا غدرٌ بأحد، بل كان أصدَقَ الناس وأعدَلَهم وأوفاهم بالعهد، مع اختلافِ الأحوال عليه مِن أمنٍ وخوف وتمكّنٍ وضَعف"[29][33].
يبجِّل أهلَ بيته ويحسِن معاملتهم، إذا قدِمت إليه ابنته فاطمةُ رضي
الله عنها قام إليها وقال لها: ((مرحبًا))،
وأجلسها بجانبه[30][34]،
وقال: ((خيركم خيرُكم لأهله، وأنا خيركم
لأهلي))[31][35].
شهد له خالقُه بعلوِّ خُلُقه، فقال:
أبهى الناس وأنضرُهم منظرًا، يتلألأ وجهُه تلألُؤَ القمَر ليلةَ البدر،
يقول البراء رضي الله عنه: لم أر شيئًا قطّ أحسن منه. رواه البخاري[32][36].
طيِّبُ الجسَد زكيّ الرائحة، يقول أنس رضي الله عنه: ما شممتُ عنبرًا
قطّ ولا مسكًا ولا شيئًا أطيب من ريحِ رسول الله
فصيحٌ بليغ باهِرُ البيان، كلامُه يأخذ بمجامعِ القلوب، أوقاتُه كلّها
معمورة بطاعةِ الله ومرضاتِه،
فما أحوج الإنسان في زمن كثرت فيه الضغوط الإجتماعية و الأمراض النفسية إلى ابتسامة تعلو الوجوه كالإبتسامة التي رسمها الحبيب صلى الله عليه وسلم على وجوه من آمن برسالته والتزم بسنته في قوله وعمله . فالحبيب صلى الله عليه وسلم تجاوز بأتباعه المؤمنين به الملتزمين بتعاليمه المتمسكين بسنته متاعب الحياة وضغوط المجتمع , وترفع بهم عن الأزمات النفسية التي تنكد حياة البشر ، وعانق بهم السعادة التي غمرت قلوبهم وجوارحهم ، فكانت الإبتسامة شعار الحبيب صلى الله عليه وسلم في حلّه وترحاله , حيث كان لا يرى إلا مبتسما , فتمسح ابتسامته العذبة آلام من يقابله وتداوي جراح من يرافقه . فعن عبد الله بن الحارث قال: ( مارأيت أحدا أكثر ابتسامة من رسول الله ) .
فما أحوج الانسانية في هذا الزمان إلى الحبيب صلى الله عليه وسلم ليداوي جراحها ويكفكف دموعها ويرتجع لها حقوقها بل وإنسانيتها التي نزعتها حضارة السلاح المدمّر والحروب القذرة تحت مسمّيات كاذبة ودعايات مضللة
لقد استطاع رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يداوي جرح الروح الذي أحدثته الحياة المادية واستطاع أن يملأ فراغ المطالب المادية الذي أحدثه الإنقطاع الخاطئ إلى الروح فكان بذلك المعلّم الروحي الصادق والسياسي النزيه والحاكم العادل , حيث وحّد قبائل متوحشة في شعب متحضّر ووحّد الشعوب في أمّة بنت المجد وصنعت الحياة بزرع الإيمان في القلوب تحت راية عقيدة الإله الواحد (لا إلـه إلا الله محمد رسول الله )
وفي يوم الإثنين 12 ربيع الأول سنة 11 هـ أظلمت على المدينة أرجاؤها وآفاقها بكت قلوب المحبين وذرفت دموع الصادقين , عم الحزن السهول والقفار وناحت الجبال والأشجار لوفات خاتم الأنبياء وسيد المتقين الأبرار صلى الله عليه وسلم قال انس رضي الله عنه : ما رأيت يوما قط كان أحسن ولا أضوأ من يوم دخل علينا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وما رأيت يوما كان أقبح ولا أظلم من يوم مات فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم .
عاش صلى الله عليه وسلم من بعثتِه إلى مماته يدعو إلى عبادةِ ربّه، وينهى أمته عن الوقوع في الشرك، لا خيرَ إلا دلَّ الأمةَ عليه، ولا شرَّ إلا حذّرها منه، فالزَموا طريقَه واستمسِكوا بهديه وسنّته، واحذروا مخالفته والبدعة في دينه تفوزوا في الدنيا والآخرة.
|